عام

حين صفعت امي ابني

فتحت الأخصائية الاجتماعية الملف ببطء، بينما وقف الشرطيان قرب باب الصالون يراقبان الوجوه المتوترة حول مائدة العشاء.
كانت رائحة الكسكس ما تزال تملأ المكان.
والشاي فوق الطاولة لم يبرد بعد.
وكأن البيت كله يرفض الاعتراف بأن شيئًا مرعبًا حدث هنا قبل ساعة فقط.
أخرجت المرأة ظرفًا بنيًا قديمًا من داخل الملف.
وحين وقع نظر أمّي عليه
تغيّر لون وجهها فورًا.
همست بصوت مرتجف
لا هذا الملف
رفعتُ رأسي نحوها ببطء.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة
رأيت الخۏف الحقيقي في عينيها.
ليس غضبًا.
ولا تكبرًا.
ولا تلك النظرة التي كانت تجعلني أشعر دائمًا بأنني عبء ثقيل على هذا المنزل.
بل خوف.
خوف امرأة تعرف أن الحقيقة وصلت أخيرًا.
فتحت الأخصائية الظرف بهدوء، ثم أخرجت صورة قديمة قليلًا.
وحين رأيتها
شعرتُ بأن الهواء اختفى من الغرفة.
كان مراد.
زوجي.
يقف أمام محل تصفيف الشعر الذي كنت أعمل فيه قبل سنوات، ويحمل ريان وهو رضيع صغير ملفوف ببطانية زرقاء.
كان يبتسم بتلك الطريقة التي تجعل عينيه تضيقان قليلًا.
الطريقة نفسها التي جعلتني أوافق على الزواج منه رغم فقره وتعبه وملابسه

الملطخة دائمًا بزيت السيارات.
وضعت سميرة يدها فوق فمها بسرعة.
أما أمّي
فأبعدت نظرها فورًا.
قالت الأخصائية الاجتماعية
هذه الوثائق سُجلت رسميًا قبل ۏفاة السيد مراد بعدة أشهر.
ثم نظرت إليّ مباشرة وأضافت
يبدو أن زوجكِ كان يخشى على حقوق ابنه.
لم أفهم فورًا.
لكن قلبي بدأ يخبرني أن السنوات التي عشتها داخل هذا البيت لم تكن كما ظننت أبدًا.
أخرجت المرأة عدة أوراق رسمية مختومة.
ثم قالت
المرحوم مراد قام قبل ۏفاته بتسديد جزء كبير من الديون المتراكمة على هذا المنزل، كما وضع مبلغ التأمين الخاص بابنه ريان داخل حساب محمي قانونيًا باسمه.
شعرتُ أن الصالة كلها تدور حولي.
المنزل؟
ذلك المنزل الذي جعلوني أشعر داخله طوال ست سنوات بأنني وعالة على الجميع؟
البيت الذي كنت أنظفه كل صباح وأطبخ فيه وأدفع جزءًا من مصاريفه من عملي في الصالون
بينما كانت أمّي تكرر أمام الجميع
نحن من فتحنا لكِ الباب بعد ۏفاة زوجكِ.
تابعت الأخصائية
كما تنص الوثائق على أن والدة الطفل، السيدة نادية، هي صاحبة الحق الكامل في إدارة أموال ابنها واتخاذ القرارات الخاصة به، ولا يحق لأي
فرد من العائلة التصرف في تلك الأموال أو منعها من الوصول إليها.
رفعتُ عيني نحو أمّي ببطء.
أما هي
فبقيت تحدّق في الأوراق وكأنها ترى کاړثة أمامها.
وحين قالت الأخصائية
خاصة في حال وجود أي إساءة أو إهمال مثبت تجاه الطفل
انتقلت عيناها مباشرة إلى خدّ ريان المتورم.
ساد الصمت.
ذلك النوع من الصمت الذي يجعل صوت الأنفاس ثقيلًا داخل الغرفة.
قالت سميرة بسرعة
هذا غير صحيح!
لكن صوتها كان يرتجف بطريقة جعلت كلماتها تبدو أضعف من أن يصدقها أحد.
أما أمّي
فلم تقل شيئًا.
فقط بقيت تنظر إلى الملف وكأن الماضي كله خرج دفعة واحدة أمامها.
وفجأة تذكّرت مفتاح ال داخل حقيبة ريان.
أخرجته ببطء.
كانت يدي ترتجف.
ثم طلبت تشغيله على التلفاز.
لم يتحرك أحد.
حتى ياسين
الطفل الذي كانت العائلة كلها تدلله
كان ينظر إلى السيارة
الحمراء على الأرض پخوف غريب، وكأنه بدأ يفهم أن الأمر لم يعد مجرد شجار عائلي.
ظهر مراد على الشاشة.
أضعف مما أتذكر.
أنحف.
لكن عيناه بقيتا كما هما.
دافئتين.
قال بصوت هادئ
إذا كنتِ تشاهدين هذا يا نادية فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا بجانبكِ.
وضعتُ يدي
فوق فمي فورًا.
شعرتُ بأن قلبي ېتمزق من الداخل.
أكمل
أعرف أن أمّك وسميرة تحاولان معرفة كل تفاصيل التأمين والمبلغ الذي تركته لريان لذلك وضعت كل شيء بطريقة قانونية حتى لا يضيع حقه.
خفض زوج أختي رأسه فورًا.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمتُ أنه كان يعرف جزءًا من الحقيقة طوال الوقت.
لكنه اختار الصمت.
مثل الجميع.
تابع مراد
لم أرد حرمانهم من البيت، لأنني كنت أعرف أنكِ لن تتحملي رؤية أمّك في الشارع لكنني أيضًا لم أكن مرتاحًا لما يحدث حول ريان.
ثم ظهرت ورقة موقعة من أمّي على الشاشة.
اسمها الكامل.
وتوقيعها الواضح.
وكانت الوثيقة تؤكد أنها استلمت مبالغ شهرية مخصصة لمصاريف ريان، مقابل التزامها بعدم حرمانه منها أو التصرف فيها لمصلحتها الشخصية.
أطلقت أمّي صوتًا مختنقًا وهي تتمتم
رحمه الله كان يشك في الجميع
لكن أحدًا هذه المرة لم يوافقها.
أكمل مراد داخل التسجيل
إذا شعرتِ يومًا أن ريان غير آمن داخل هذا البيت خذيه وارفعي رأسكِ، لأن حقه محفوظ، وأنتِ لستِ ضعيفة كما يجعلونكِ تظنين.
شعرتُ بالغثيان.
ليس بسبب المال.
بل لأنني تذكرت كل ليلة عاد فيها ريان يبكي
لأنه يريد حليب الشوكولاتة ولم أكن أملك ثمنه.
تذكرت حذاءه الرياضي الممزق.
وحقيبته المدرسية

مقالات ذات صلة

قديمة.
وليلاتي الطويلة في الصالون، أقص شعر العرائس حتى منتصف الليل
بينما كانت سميرة تسافر مع زوجها إلى إسطنبول والعاصمة وتعود بحقائب جديدة وعطور باهظة.
قالت أمّي فجأة
كنّا نصرف المال على البيت!
نظرتُ إليها طويلًا.
ثم قلتُ بهدوء جعل الجميع يلتفت نحوي
بل كنتم تأخذون مال طفل يتيم وتتركون أمّه تعمل ليل نهار حتى لا يجوع.
تجمّدت الصالة.
حتى عقارب الساعة بدت وكأنها توقفت.
بدأت الأخصائية الاجتماعية تلتقط صورًا لخدّ ريان والتقرير الطبي.
ثم طلب الشرطي بطاقات الهوية من الجميع.
أما أنا
فجلست قرب ابني النائم وأعدت السيارة الحمراء إلى حضنه.
تحرّك قليلًا أثناء نومه.
ثم ضمّها إلى صدره بتلك البراءة التي تجعل قلب الأم ينكسر ألف مرة.
وفي تلك اللحظة
اختفت آخر ذرة شفقة كنت أشعر بها تجاه أمّي.
لأنني فهمت أخيرًا
أن صمتي لم يكن صبرًا.
بل كان أذى لطفلي.
اقتربت
الأخصائية مني وهمست
من الأفضل ألا يبقى الطفل هنا الليلة، ويمكنكِ تقديم طلب حماية رسمي إذا أردتِ.
أومأت بصمت.
ثم وقفت وسط الصالة ونظرت نحو الجميع.
وقلت
أنا وابني سنغادر هذا المنزل الليلة لكن هذه المرة لن نخرج منه ونحن نشعر أننا بلا قيمة أو حق.
ضحكت أمّي بسخرية متعبة
ستعودين كل الأرامل يعدن عندما ينتهي المال.
قبل سنوات
كانت هذه الجملة تكفي لتحطيمي.
أما الآن
فلم أشعر بشيء.
لأن اسم مراد كان فوق كل ورقة داخل ذلك الملف
وكأنه ما يزال واقفًا خلفي يحرسنا.
أخذتني الأخصائية إلى المطبخ حتى نتحدث بعيدًا عن الآخرين.
المطبخ نفسه الذي بكيت فيه عشرات المرات
بصمت حتى لا يسمعني أحد.
قالت لي بهدوء
التحقيق سيبدأ بعد تقرير المستشفى، ويمكن اتخاذ إجراءات لحماية الطفل إذا ثبت تعرضه للأذى المتكرر.
نظرتُ حولي.
إلى الثلاجة المليئة بصور رحلات لم يُدعَ ريان إليها
يومًا.
إلى رسومات ياسين المعلقة بعناية على الجدران
بينما كانت رسومات ابني تُرمى دائمًا بحجة أنها تسبب الفوضى.
أخرجت من حقيبتي رسمة قديمة مطوية.
كان ريان قد رسم نفسه مع والده تحت شمس صفراء كبيرة وسيارة حمراء.
نظرت إليها الأخصائية طويلًا.
ثم ابتعدت قليلًا حتى تمنحني فرصة للبكاء وحدي.
وعندما عدنا إلى الصالة
كان زوج أختي يجلس مطأطئ الرأس.
بينما كانت سميرة تبكي وتحاول إقناعه بالكلام.
لكنه سألها سؤالًا واحدًا فقط
كم مرة رأيتِ ريان محبوسًا داخل غرفة الغسيل؟
فتحت فمها
لكن الكلمات لم تخرج.
وذلك الصمت
كان اعترافًا كاملًا.
طلب الشرطي من أمّي مرافقته إلى المركز للإدلاء بأقوالها بخصوص الاعتداء على طفل قاصر وسوء التصرف في أموال مخصصة له.
وقفت أمّي بكبريائها المعتاد.
لكنها هذه المرة بدت أصغر كثيرًا.
قالت وهي تنظر إليّ
فعلتُ كل شيء من أجلكِ.
اقتربتُ
منها ببطء.
ثم قلت للمرة الأولى في حياتي دون خوف
لا يا أمّي كنتِ تفعلين كل شيء بالطريقة التي تناسبكِ أنتِ فقط.
امتلأت عيناها بالدموع.
لكن دموعها
لم تعد تفتح باب الذنب داخلي كما كانت تفعل دائمًا.
خرجت مع الشرطة دون أصفاد.
لكن نظرات الجيران من النوافذ كانت أثقل من الحديد.
أما سميرة
فجلست فوق الأريكة تبكي للمرة الأولى دون أن يدافع عنها أحد.
اقترب ياسين ببطء من ريان النائم.
ثم أخذ السيارة الحمراء وقبّلها بخجل
وأعادها إلى مكانها فوق صدره.
همس
آسف.
نظرتُ إليه طويلًا.
وفهمتُ أنه أيضًا طفل تربّى وسط القسۏة والأكاذيب.
وقبل الفجر بقليل
غادرتُ المنزل بحقيبتين فقط.
وريان نائم فوق كتفي.
وفي سيارة الأجرة فتح عينيه وسألني بصوت صغير
جدتي لن تضربني مرة أخرى أليس كذلك؟
ضممته إليّ بقوة.
ثم همست
لا يا حبيبي لن يسمح أحد بذلك بعد اليوم.
لم أعده بأن الحياة ستكون
سهلة.
لكنني وعدته بشيء أهم بكثير
أن اسمه لن يُقال بعد اليوم وكأنه طفل غريب داخل عائلته.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى