عام

الخطوة التى لم يتوقعها احد

كانت شمس العصر تتسلل بين أشجار الجاكراندا، فتصبغ أرصفة حي «الأمل» بلون بنفسجي هادئ. كانت سلمى، التي أتمّت عامها السابع حديثًا، في طريقها إلى المنزل. حقيبتها المزينة برسومات وحيد القرن، والتي أهدتها لها جدتها، كانت تتمايل برفق على ظهرها مع كل قفزة صغيرة.رائحة الخبز الطازج من مخبز الحاج بدر كانت تملأ المكان، كأنها وعد جميل بوجبة خفيفة دافئة.

كان كل شيء طبيعيًا… طبيعيًا أكثر من اللازم.كانت تدندن أغنية تعلمتها في الحضانة عن بطة صغيرة ترفض الاستحمام، وحذاؤها الأحمر يكاد يطير فوق شقوق الطريق. صورة والدتها وهي تنتظرها بكوب لبن وبعض البسكويت كانت بمثابة الأمان لها.لكن فجأة… تغيّر شيء.لم يكن صوتًا، ولا رائحة مختلفة… بل إحساس. قشعريرة باردة تسللت

مقالات ذات صلة

إلى رقبتها رغم دفء الشمس. توقفت سلمى عن القفز، وثبتت قدماها في مكانهما.رفعت رأسها.في نهاية الشارع، حيث يمتد ظل شجرة قديمة كوحش مخيف، ظهرت شخصية. طويلة… طويلة أكثر من اللازم. ترتدي ملابس سوداء بالكامل. قبعة عريضة تخفي ملامح وجهه داخل ظلام كثيف.

خفق قلب سلمى بقوة، كطبول صغيرة تض*رب داخل صدرها.

حاولت إقناع نفسها أنه مجرد جار… أو ساعي بريد… أو حتى خيال من خيالاتها التي كانت تخدعها أحيانًا. لكن ذلك الشخص لم يتحرك كأي شخص عادي… ولم يكن يحمل أي شيء.

كان فقط… يقف هناك. يراقب.

خطوات تقترب

أسرعت سلمى في مشيها. توقفت عن القفز. أصبحت خطواتها سريعة ومتوترة دون أن تفهم السبب. نظرت خلفها مرارًا.

كان يتحرك.

ببطء… وبقصد واضح.

كانت خطواته ثقيلة، يتردد صداها

في هدوء العصر، وتقترب أكثر فأكثر.

الخوف بدأ يتسلل إلى داخلها، كشيء بارد يزحف في حلقها. أرادت أن تصرخ… لكن صوتها اختفى. أرادت أن تجري… لكن قدميها كانتا كالهلام.

النظرة تحت القبعة

كان منزلها، ببابه الخشبي الأزرق، على بعد شارع واحد فقط. كانت ترى صندوق البريد وأصيص الزهور. قريب جدًا… لكنه بدا بعيدًا بشكل مستحيل.

أصبح الرجل بجانبها تقريبًا.

صار الهواء ثقيلًا… كأن الأكسجين اختفى. شعرت بوجوده، بحرارة جسده، وبظله الذي غطّاها.

لم تجرؤ على النظر مباشرة. ثبتت عيناها على قدميها، اللتين تتحركان ببطء شديد.

وفجأة… ظهرت أمامها حذاء أسود لامع.

وتوقف.

ثم كسر الصمت صوت عميق خشن:

“سلمى؟”

اسمها… من فم غريب.

هنا تغيّر كل شيء.

تحوّل الخوف إلى شيء آخر… غضب

مفاجئ، وإحساس بالظلم. كيف يعرف اسمها؟ ولماذا يتبعها؟

رفعت سلمى رأسها. التقت عيناها الصغيرتان، المليئتان بالخوف والبراءة، بعينيه… أو بما يمكن رؤيته تحته القبعة.

كانتا مظلمتين… فارغتين… بلا أي تعبير.

كأنهما حفرتان تبتلعان الضوء.

الجملة التي غيّرت كل شيء

لم يتحرك الرجل. لم يمد يده. فقط ظل ينظر إليها.

ثانية… ثانيتان… وكأن الزمن توقف.

ثم، بدلًا من أن تجري أو تصرخ أو تبكي مثل أي طفلة في سنها…

فعلت سلمى شيئًا غير متوقع.

توقفت تمامًا. استدارت ببطء، وواجهته مباشرة. رفعت ذقنها الصغيرة بشجاعة لم تكن تعلم أنها تملكها.

نظرت إليه بثبات… محاولة أن تجد أي إحساس في عينيه. لكنها لم تجد شيئًا.

وبصوت، رغم ارتجافه، كان قويًا بشكل مفاجئ… قالت جملة واحدة فقط:

“إنت

مين علشان تمشي ورايا كده؟”

جملة واحدة…

لكنها غيّرت مجرى ذلك اليوم بالكامل.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى