
قالوا إن الراجل العجوز في B بيهذي… بس أنا اكتشفت إنه كان بيطلب النجدة.
قالولي إن الراجل العجوز اللي في مابيتكلمش غير بكلام مش مفهوم.
-
بنتك لازم تتعلم تتحكم في نفسهامنذ 9 ساعات
-
ست حامل كانت عايشة في كوخمنذ 9 ساعات
-
مرات جوزيمنذ 10 ساعات
-
اتجوزت واحد متجوزمنذ 10 ساعات
قالوا إن عقله طار بسبب الخرف، وإن اللي بيطلع من بقه مجرد أصوات مالهاش أي معنى.
بس هما كانوا غلطانين.
هو مكنش بيهذي.
كان بيتكلم بلغة الوجع… اللغة اللي محدش حاول يفهمها.
أنا اسمي مالك، وعندي تسعطاشر سنة.
بشتغل في دار مسنين اسمها الياسمين. رسمياً، المسمى الوظيفي بتاعي “عامل دعم”، بس شغلي في الحقيقة كان بسيط أوي: بمسح الأرضيات، بفضي زبالة، وبساعد التمريض قصاد قرشين بسيطين.
معظم النزلاء بالنسبة لي كانوا مجرد وشوش بتعدي.
ابتسامة هنا.
”صباح الخير” هناك.
وبعدين أرجع لشغلي.
بس عم إسماعيل كان مختلف.
كان عنده تسعين سنة، بطل قديم شارك في حرب كوريا، وقاعد على كرسي متحرك.
الكل كان فاكر إن الخرف طير معظم ذاكرته.
في أغلب الأيام، كان بيقعد قدام الشباك يبرق بره بالساعات، وكأنه شايف عالم محدش فينا شايفه.
بس أول ما الشمس تبتدي تغرب، كل حاجة كانت بتتغير.
الخوف والقلق يمسكوه فجأة.
يتوتر.
يصرخ.
ويفضل يكرر كلام غريب بلغة محدش فاهمها.
الممرضات كانوا بيكتبوا في التقرير بتاعه:
”نوبة هياج… كلام مش مفهوم.”
ويجهزوا له المهدئ.
بالنسبة لهم، دي كانت مجرد دوشة
وأصوات مالهاش معنى.
أما أنا، فكنت بادي له ودني وبسمعه.
يمكن عشان أنا عارف كويس يعني إيه بني آدم يحس إنه ملوش وجود ومحدش شايفه.
أنا كبرت وأنا بتنقل بين دور الرعاية والبيوت، واتعلمت من صغري أركز في التفاصيل.
ألاحظ اللي الناس مابتقولوش.
وأسمع الحاجات المظلومة والمستخبية ورا الكلام.
وفي ليلة من الليالي، وهو في وسط نوبة شديدة، عم إسماعيل مسك في دراعي.
مسكته كانت قوية بشكل متوقعتوش خالص من راجل في سنه.
عينيه كانت مليانة خوف.
مش خوف راجل عجوز…
دا خوف طفل تايه.
فضل يكرر كلمتين:
«تشاغاوو… أومّا…»
مرة.
في التانية.
في التالتة.
طلعت تليفوني وسجلت صوته.
الليلة دي، رجعت شقتي الصغيره، وقعدت أسمع التسجيل مرة وتانية.
كتبت الكلام زي ما سمعته بالظبط، وبدأت أدور عليه.
وبعد تدوير كتير، لقيت تفسير ليها في فورم من المنتديات بتاعة اللغة الكورية.
يعني:
”أنا بردان… الجو برد.”
والكلمة التانية:
يعني:
”أميمة” أو “أمي”.
جسمي كله قشعر.
فجأة، الراجل اللي قدامي دا مابقاش مجرد عجوز تايه في الخرف.
شفته كأنه عيل صغير.
عيل واقف في مكان تلج، في وسط الحرب، بيرتعش وبيدور على أمه.
عقله مكنش بيهرتل ولا بيقول أي كلام.
دا الماضي كان بيرجعله بكل قسوته.
وجسمه كان بيعيش الذكرى دي
من تاني.
في الليلة دي، قررت إن لازم أعمل حاجة.
كان معايا 200 دولار شايلهم على جنب عشان مصاريف التقديم للكلية.
صرفتهم كلهم على بطانية كهربا دافية، واشتريت باور بانك كبير عشان يشغلها في أي وقت.
وبعدين طلبت من واحد صاحبي في الكنيسة، جدته كانت من سيول، إنه يعلمني شوية جمل كورية بسيطة.
مكنتش محتاج أتكلم كوري بطلاقة.
أنا بس كنت عايز أقوله:
أنا فاهمك.
انت في أمان.
أنا هنا جنبك.
اتدربت على الكلام دا أيام وأسابيع، لحد ما بقيت أقوله بسهولة من غير ما أتلعثم.
ولحد ما جت الليلة اللي عمرها ما هتتمحي من ذاكرتي.
كان فيه عاصفة تلج شديدة بره.
وفجأة المولد القديم عطل.
والتدفئة قطعت.
البرد بدأ يتسلل ويدخل في كل حتة في الدار.
وبعد دقائق…
طلعت صرخة تهز المكان من آخر الممر.
الاوضة 3B.
جرينا كلنا.
لقينا عم إسماعيل على الأرض، بيحاول يزحف، ووشه جايب ألوان من الرعب.
كان بيصرخ:
«تشاغاوو! أومّا!»
واحدة من الممرضات كانت بتحاول تثبته، والتانية بتجهز حقنة المهدئ.
صرخت فيهم:
”استنوا!”
وجريت عليه.
قعدت على الأرض جنبه، وطلعت البطانية الكهربا اللي جبتها، شغلتها بالباور بانك، ولفيتها حوالين جسمه.
الدفء بدأ يدخل جسمه بالتدريج.
بس عينيه لسه كانت مليانة خوف.
مسكت إيده.
وبصيت في عينيه دايركت.
وقلتله
بالكوري اللي اتدربت عليه:
«أنييو… غوينتشانايو.»
ماتقلقش.
وبعدين:
«تتاتو تايو… إسماعيل.»
أنت دفيان يا إسماعيل.
وأخيراً:
«جيغا يوغي إيسويو.»
أنا هنا جنبك.
بطل حركة فجأة.
برق في وشي.
الرعب اللي في عينيه بدأ يختفي واحدة واحدة.
شفايفه اترعشت.
وبعدين هدي خالص.
ولأول مرة من أكتر من سنة…
حسيت إنه شايفني بجد.
مش مجرد عامل في الدار.
ولا واحد غريب.
شاف بني آدم واقف قدامه.
نزلت دمعة بالبطيء على خده.
وبعدين حصلت حاجة مكنتش متوقعها خالص.
مقالش أي حاجة بالكوري.
بالعكس، رجع يتكلم عربي عادي.
وبصوت ضعيف ومبحوح، سألني:
”هتفضل قاعد معايا؟”
دموعي نزلت مني غصب عني.
ضغطت على إيده وقلتله:
”أيوه يا عم إسماعيل… أنا هنا ومش هتبرد تاني أبداً.”
غمض عينيه.
وبعد دقائق…
نام.
نام في هدوء تام.
ولأول مرة من زمان، مكنش فيه صريح.
مكنش فيه خوف.
مجرد راجل عجوز نايم في أمان.
في اليوم دا أنا فهمت حاجة عمرها ما هتفارقني:
الجدعنة والحنية مش دايماً موقف بطولي مكسر الدنيا.
ومش دايماً تبرع بمبالغ كبيرة ولا فعل الناس تقف تسقفله.
أوقات…
الحنية هي إنك تقف وتدي اهتمام في الوقت اللي الكل بيكبر فيه دماغه ويطنش.
إنك تسمع لما الكل يفكر إن اللي بيتقال دا مجرد دوشة مالهاش لازمة.
إنك تحاول تفهم لغة
وجع غيرك.
عشان كده، قبل ما تقول على حد إنه ضاع…
أو اتجنن…
أو ماببقاش يفهم حاجة خلاص…
قرب منه شوية.
اسمع بقلبك أكتـر.
يمكن مبيكونش بيهذي ولا حاجة.
يمكن بس بيتكلم بلغة أنت لسه مالميتش بيها.
وأوقات…
إنك تتعلم اللغة دي، بيبقى هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تنقذ حياته.








